مشروبات الطاقة: ماذا يحدث لجسمك بعد أن تشربها؟

تخيل أن جسدك سيارة تسير في طريق طويل، وبدأت تشعر بالتعب. عندما تتوقف طاقتك، تأتي مشروبات الطاقة لتضغط على دواسة البنزين بقوة. لكن هل ملأت خزان الوقود فعلًا؟

د
د.غياث الخبي
طبيب عام
13 أغسطس 2026 7 دقيقة 113
مشروبات الطاقة: ماذا يحدث لجسمك بعد أن تشربها؟

مشروبات الطاقة: ماذا يحدث لجسمك بعد أن تشربها؟

تخيل أن جسدك سيارة تسير في طريق طويل، وبدأت تشعر بالتعب.

عندما تتوقف طاقتك، تأتي مشروبات الطاقة لتضغط على دواسة البنزين بقوة.

لكن هل ملأت خزان الوقود فعلًا؟

ليس تمامًا.

مشروبات الطاقة قد تجعلك تشعر بمزيد من اليقظة والنشاط لفترة من الوقت، لكن هذا الشعور يرتبط بشكل أساسي بالكافيين والمنبهات الموجودة فيها، وليس بإنتاج طاقة جديدة داخل الجسم.

فماذا يحدث فعلًا لجسمك عندما تشربها؟ وهل علبة واحدة يمكن أن تؤثر في قلبك ونومك وضغط دمك؟

ما الذي يوجد داخل مشروب الطاقة؟

تختلف تركيبة مشروبات الطاقة من منتج إلى آخر، لكن الكافيين هو المكوّن المنبه الأساسي في معظمها.

وقد تحتوي أيضًا على السكر، والتاورين، والغوارانا، وغيرها من المكونات.

وهنا توجد نقطة مهمة:

الغوارانا نفسها مصدر للكافيين.

لذلك لا يكفي أن تنظر إلى اسم المكونات فقط، بل يجب أن تنتبه إلى كمية الكافيين الموجودة في المنتج، وإلى إجمالي الكافيين الذي تحصل عليه من جميع المصادر خلال اليوم.

فقد تشرب مشروب طاقة، ثم قهوة، ثم مشروبًا غازيًا يحتوي على الكافيين، دون أن تشعر أن هذه الكميات اجتمعت كلها داخل جسمك.

لماذا تشعر بالنشاط بعد شربها؟

عندما تشعر بالتعب والنعاس، يكون أحد المواد التي تتراكم في الدماغ هو الأدينوزين، وهو جزء من النظام الذي يساعد الجسم على تنظيم الشعور بالنعاس.

وهنا يأتي دور الكافيين.

الكافيين يرتبط بمستقبلات الأدينوزين ويمنع تأثيره، ولذلك قد تشعر بأن النعاس تراجع وأنك أصبحت أكثر يقظة.

بمعنى أبسط:

مشروب الطاقة لا يصنع لك ساعات إضافية من الطاقة.

بل يقلل مؤقتًا من الإحساس بالتعب.

وهذا فرق مهم جدًا.

لأن النوم الذي يحتاجه جسمك لا يختفي لمجرد أنك لم تعد تشعر به.

ماذا يحدث لقلبك؟

القلب من أكثر الأعضاء التي تستحق الانتباه عند الحديث عن مشروبات الطاقة.

أظهرت مراجعة منهجية حديثة نُشرت عام 2025، وشملت 37 دراسة و1597 مشاركًا، أن عددًا كبيرًا من الدراسات وجد تغيرات حادة بعد تناول مشروبات الطاقة، شملت ارتفاع معدل ضربات القلب وضغط الدم، إضافة إلى تغيرات في بعض مؤشرات تخطيط القلب، ومنها فترة QTc.

لكن من المهم أن نفهم هذه النتائج بشكل صحيح.

هذا لا يعني أن كل شخص يشرب علبة من مشروب الطاقة سيصاب باضطراب خطير في نظم القلب.

فالتأثير يختلف بحسب كمية الكافيين، والجرعة، وحساسية الشخص، ووجود أمراض قلبية أو عوامل خطورة أخرى.

لكن هذه النتائج تعني أن مشروبات الطاقة ليست مجرد مشروبات غازية عادية، وأن تأثيرها على الجهاز القلبي الوعائي يستحق الانتباه، خصوصًا عند استهلاك كميات كبيرة.

وماذا يحدث لضغط الدم؟

الكافيين والمنبهات يمكن أن تؤثر مؤقتًا في ضغط الدم.

وفي تحليل تلوي للتجارب السريرية، وُجد أن تناول مشروبات الطاقة ارتبط بارتفاع حاد في ضغط الدم الانقباضي والانبساطي لدى البالغين الأصحاء.

قد يكون هذا التأثير مؤقتًا، لكن تكرار التعرض للكافيين بكميات كبيرة أو استخدام مشروبات الطاقة لدى الأشخاص الأكثر حساسية قد يكون أكثر أهمية من تناولها بشكل عرضي.

ولهذا، إذا لاحظت بعد مشروب الطاقة خفقانًا شديدًا، أو رجفة، أو قلقًا واضحًا، أو ارتفاعًا ملحوظًا في الضغط، فلا تتجاهل الإشارة.

وماذا عن النوم؟

هنا تبدأ دائرة مزعجة.

تشرب مشروب الطاقة لأنك متعب.

الكافيين يجعلك أكثر يقظة.

ثم يأتي وقت النوم، لكن تأثير الكافيين قد يجعل النوم أصعب وأقصر.

فتستيقظ في اليوم التالي وأنت متعب...

فتبحث عن مشروب طاقة آخر.

وهكذا قد تستخدم المنبه بشكل متكرر لتغطية مشكلة أصلها قلة النوم.

وتدعم الدراسات الحديثة هذه الفكرة.

ففي تحليل تلوي نُشر عام 2025 وشمل 22 تجربة و956 مشاركًا، أدى الكافيين إلى تقليل مدة النوم بنحو 35 دقيقة في المتوسط، كما أطال الوقت اللازم للدخول في النوم وقلل كفاءة النوم.

والتأثير لا يعتمد فقط على كمية الكافيين، بل أيضًا على وقت تناوله.

لذلك قد يكون مشروب الطاقة الذي تشربه في المساء مؤثرًا في نومك حتى لو كنت قادرًا على النوم بعده.

هل المشكلة في الكافيين فقط؟

ليس بالضرورة.

بعض مشروبات الطاقة تحتوي أيضًا على كميات كبيرة من السكر، بينما توجد منتجات خالية من السكر.

لذلك يجب أن تنظر إلى العبوة كاملة:

كمية الكافيين؟

كمية السكر؟

حجم العبوة؟

كم عبوة تشرب في اليوم؟

وما هي بقية مصادر الكافيين التي تتناولها؟

هذه الأسئلة أهم بكثير من مجرد سؤال: "هل مشروب الطاقة مضر؟"

هل مشروب الطاقة أخطر من القهوة؟

لا يمكن إعطاء إجابة بسيطة من نوع:

القهوة آمنة ومشروبات الطاقة خطيرة.

أو العكس.

المقارنة يجب أن تبدأ من كمية الكافيين التي تحصل عليها.

فبعض مشروبات الطاقة تحتوي على كمية كبيرة من الكافيين، وبعضها أقل، كما تختلف أحجام العبوات والمكونات الإضافية بين المنتجات.

أما القهوة فتختلف كمية الكافيين فيها أيضًا بحسب نوعها وطريقة تحضيرها وحجم الكوب.

لذلك إذا أردت المقارنة، لا تنظر إلى اسم المشروب فقط.

انظر إلى كمية الكافيين التي تدخل جسمك فعلًا.

وتشير إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) إلى أن استهلاك ما يصل إلى 400 ملغ من الكافيين يوميًا لا يرتبط عمومًا بآثار سلبية لدى معظم البالغين الأصحاء، مع وجود اختلاف كبير بين الأشخاص في درجة تحمل الكافيين وحساسيتهم له.

وهذا الرقم ليس هدفًا يوميًا يجب الوصول إليه، ولا يعني أن كل شخص يستطيع تناول هذه الكمية دون أعراض.

ماذا عن الأطفال والمراهقين؟

هنا تصبح الرسالة أكثر وضوحًا.

مشروبات الطاقة ليست مناسبة للأطفال والمراهقين.

فالأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال توصي بتجنب مشروبات الطاقة لدى الأطفال والمراهقين بسبب محتواها من الكافيين والمنبهات.

وهذا مهم بشكل خاص لأن المراهق الذي يعاني أصلًا من قلة النوم قد يستخدم مشروبات الطاقة ليقاوم النعاس خلال الدراسة أو العمل، ثم يؤدي الكافيين إلى مزيد من اضطراب النوم.

وهكذا تبدأ دائرة:

قلة النوم → مشروب طاقة → نوم أسوأ → تعب أكبر → مشروب طاقة آخر.

وماذا عن خلطها مع الكحول؟

هذه من أكثر العادات التي تستحق التحذير.

الكافيين قد يجعلك تشعر بأنك أكثر يقظة، لكنه لا يلغي تأثير الكحول على الدماغ.

قد يشعر الشخص بأنه أكثر قدرة على الاستمرار، بينما يظل تأثير الكحول على الحكم، والتنسيق الحركي، وردود الفعل موجودًا.

لذلك:

الشعور باليقظة لا يعني أنك أقل تأثرًا بالكحول.

وخلط مشروبات الطاقة بالكحول ليس طريقة لجعل الشخص "أكثر توازنًا" أو أقل سُكرًا.

وماذا عن الرياضة؟

الكافيين يمكن أن يحسن بعض جوانب الأداء الرياضي لدى بعض الأشخاص، ولهذا يستخدم أحيانًا ضمن استراتيجيات التغذية الرياضية.

لكن هذا لا يعني أن مشروب الطاقة هو الخيار المناسب للترطيب أثناء الرياضة.

وهنا يجب أن نفرق بين:

مشروب الطاقة

و

المشروب الرياضي.

فهما ليسا الشيء نفسه.

مشروبات الطاقة تُسوّق أساسًا لزيادة اليقظة والتنبيه، وغالبًا تحتوي على الكافيين.

أما المشروبات الرياضية فهدفها الأساسي في ظروف معينة هو توفير السوائل والكربوهيدرات والإلكتروليتات أثناء أو بعد النشاط البدني المطول أو الشديد.

لذلك لا تختار مشروبك الرياضي لمجرد أن كلمة "Energy" أو "Sport" مكتوبة على العبوة.

من يحتاج إلى حذر أكبر؟

يجب أن يكون الأشخاص الذين لديهم أمراض قلبية أو اضطرابات في نظم القلب، أو حساسية واضحة للكافيين، أكثر حذرًا من تناول كميات كبيرة من مشروبات الطاقة.

كما ينبغي الانتباه إلى إجمالي الكافيين خلال اليوم لدى الحوامل والمرضعات، والأطفال والمراهقين، والأشخاص الذين يتناولون أدوية أو لديهم حالات صحية قد تتأثر بالكافيين.

وفي هذه الحالات، يكون السؤال الأفضل للطبيب هو:

كمية الكافيين المناسبة لي؟

بدل الاعتماد على قاعدة عامة تناسب الجميع.

متى تصبح الأعراض مقلقة؟

إذا ظهرت بعد تناول كمية كبيرة من الكافيين أعراض شديدة مثل:

  • خفقان شديد أو غير معتاد.

  • ألم أو ضغط في الصدر.

  • ضيق في التنفس.

  • إغماء أو قرب الإغماء.

  • اضطراب واضح في ضربات القلب.

  • ارتباك أو أعراض عصبية غير معتادة.

  • قيء شديد أو مستمر.

فهذه أعراض لا ينبغي تجاهلها، وتحتاج إلى تقييم طبي عاجل بحسب شدتها.

هل يجب أن تتوقف تمامًا عن مشروبات الطاقة؟

ليس الهدف من هذا المقال أن نقول إن كل شخص يشرب مشروب طاقة سيصاب بمرض.

المشكلة ليست في وجود علبة واحدة في حياة الشخص بقدر ما تكمن في الاستهلاك المتكرر أو الكميات الكبيرة، وتراكم مصادر الكافيين، واستخدام مشروبات الطاقة لتعويض النوم بشكل مستمر.

إذا كنت بالغًا سليمًا وتستهلك الكافيين باعتدال، فالوضع يختلف عن شخص يشرب عدة مشروبات طاقة يوميًا أو يعاني من أعراض مرتبطة بها.

لذلك لا تسأل نفسك فقط:

"هل مشروب الطاقة مضر؟"

بل اسأل:

"كم كمية الكافيين التي أتناولها؟ ومتى أتناولها؟ ولماذا أحتاج إليها أصلًا؟"

في النهاية...

مشروبات الطاقة قد تمنحك إحساسًا مؤقتًا باليقظة، لكنها لا تستطيع أن تحل محل النوم والغذاء المتوازن والراحة.

تخيل مرة أخرى أن جسدك سيارة.

يمكنك الضغط على دواسة البنزين عندما تكون متعبًا...

لكن لا يمكنك الاستمرار في الضغط عليها وأنت تتجاهل إشارة نقص الوقود.

إذا كان جسدك يطلب النوم، فمشروب الطاقة قد يؤجل الرسالة... لكنه لا يلغيها.